كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة يستأذن على ذوات المحارم يدل عليه ما روي عن عطاء بن يسار أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: استأذن على أمي؟ قال نعم فقال الرجل إني معها في البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأذن عليها» فقال الرجل إني خادمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأذن عليها أتحب أن تراها عريانة قال لا قال فاستأذن عليها» أخرجه مالك في المؤطأ مرسلًا وقوله تعالى: {ذلكم خير لكم} أي فعل الاستئذان خير لكم وأولى بكم من التهجم بغير إذن {لعلكم تذكرون} أي هذه الآداب فتعملوا بها.
قوله عزّ وجلّ: {فإن لم تجدوا فيها} أي البيوت {أحدًا} أي يأذن لكم في دخولها {فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} أي في الدخول {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} يعني إذا كان في البيت قوم وكرهوا دخول الداخل عليهم فقالوا ارجع فليرجع ولا يقف على الباب ملازمًا {هو أزكى لكم} أي الرجوع هو أطهر وأصلح لكم فإنّ للناس أحوالًا وحاجات يكرهون الدخول عليهم في تلك الأحوال وإذا حضر إلى الباب فلم يستأذن وقعد على الباب منتظرًا جاز.
كان ابن عباس يأتي دون الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن حتى يخرج إليه الرجل فإذا خرج ورآه قال يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني بمكانك فيقول هكذا أمرنا أن نطلب العلم.
وإذا وقف على الباب فلا ينظر من شقه إذا كان الباب مردودًا ق عن سهل بن سعد قال اطلع رجل من جحر في باب النبيّ صلى الله عليه وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يرجل وفي رواية يحك به رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو علمت أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الإذن من أجل البصر» ق عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه» وفي رواية النسائي قال «لو أن أمرًا أطلع عليك بغير إذن فحذفته ففقأت عينه ما كان عليك حرج» وقال مرة أخرى جناح {والله بما تعملون عليم} يعني من الدخول بالإذن ولما نزلت آية الاستئذان قالوا كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن فأنزل الله تعالى {ليس عليكم جناح} يعني إثم {أن تدخلوا بيوتًا غير مسكونة} يعني بغير استئذان {فيها متاع لكم} يعني منفعة لكم قيل إن هذه البيوت في الخانات والمنازل المبينة للسابلة ليأووا إليها ويؤوا أمتعتهم فيها فيجوز دخولها بغير استئذان ولمنفعة النزول بها واتقاء الحر والبرد وإيواء الأمتعة بها.
وقيل بيوت التجار وحوانيتهم في الأسواق يدخلها للبيع والشراء وهو منفعتها فليس فيها استئذان.
وقيل هي جميع البيوت التي لا ساكن فيها لأن الاستئذان إنما جعل لئلا يطلع على عورة فإن لم يخف ذلك جاز له الدخول بغير استئذان {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} يعني عما لا يحل النظر إليه قيل معناه يغضوا أبصارهم.
وقيل من هنا للتعبيض لأنه لا يجب الغض عما يحل إليه النظر وإنما أمروا أن يغضوا عما لا يحل النظر إليه م عن جرير قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة قال: «اصرف بصرك» عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الثانية» أخرجه أبو داود والترمذي م عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لاينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد» وقوله تعالى: {ويحفظوا فروجهم} يعني عما لا يحل.
قال أبو العالية كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا في هذا الموضع فإن أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه.
فإن قلت كيف أدخل من على غض البصر دون حفظ الفرج.
قلت فيه دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وثديهن وأعضادن وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات في البيع والأجنبية يجوز النظر إلى وجهها وكفيها للحاجة إلى ذلك وأما أمر الفروج فمضيق وكفاك أن أبيح النظر إلاّ ما استثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه.
فإن قلت كيف قدم غض البصر على حفظ الفرج.
قلت لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور والبلوى فيه أشد ولا يكاد أحد يقدر على الاحتراس منه {ذلك أزكى لهم} يعني غض البصر وحفظ الفرج {إنّ الله خبير بما يصنعون} يعني أنه خبير بأحوالهم وأفعالهم وكيف يجيلون أبصارهم وكيف يصنعون بسائر حواسهم وجوارحهم.
قوله عزّ وجلّ: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} يعني عما لا يحل لهن.
روي عن أم سلمى قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة بنت الحارث إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتجبا منه فقلنا: يا رسول الله أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه» أخرجه الترمذي وأبو داود.
قوله تعالى: {ولا يبدين} يعني لا يظهرن {زينتهن} يعني لغير المحرم وأراد بالزينة الخفية مثل الخلخال والخضاب في الرجل والسوار في المعصم والقرط في الأذن والقلائد في العنق فلا يجوز للمرأة إظهارها ولا يجوز للأجنبي النظر إليها والمراد من الزينة النظر إلى مواضعها من البدن {إلا ما ظهر منها} يعني من الزينة قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي الوجه والكفان.
وقال ابن مسعود هي الثياب.
وقال ابن عباس هي الكحل والخاتم والخضاب في الكف فما كان من الزينة الظاهرة يجوز للرجل الأجنبي النظر إليه للضرورة مثل تحمل الشهادة ونحوه من الضرورات إذا لم يخف فتنة وشهوة فإن خاف شيئًا من ذلك غض البصر وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة وسائر بدنها عورة {وليضربن بخمرهن} يعني ليلقين بمقانعهن {على جيوبهن} يعني موضع الجيب وهو النحر والصدر يعني ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وأقراطهن وصدورهن خ عن عائشة قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} شققن مروطهن فاختمرن بها المرط كساء من صوف أو خز أو كتان وقيل هو الإزار وقيل هو الدرع {ولا يبدين زينتهن} يعني الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب وهي ما عدا الوجه والكفين {إلا لبعولتهن} قال ابن عباس لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن أو آبائهن {أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخونهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن} فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنية ولا ينظرون إلى مابين السرة والركبة.
ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدن زوجته غير أنه يكره له النظر إلى فرجها {أو نسائهن} يعني المؤمنات من أهل دينهن أراد به أن يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة ما بين السرة والركبة ولا يجوز للمرأة المؤمنة أن تتجرد من ثيابها عند الذمية أو الكافرة لأن الله تعالى قال أو نسائهن والذمية أو الكافرة ليست من نسائنا ولأنها أجنبية في الدين فكانت أبعد من الرجل الأجنبي كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات.
وقيل يجوز كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من جملة النساء {أو ما ملكت أيمانهن} قيل هو عبد المرأة فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفًا وأن ينظر إلى مولاته إلا ما بين السرة والركبة كالمحارم.
وهو ظاهر القرآن يروى ذلك عن عائشة وأم سلمة: وروى أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: «إنه ليس عليكم بأس إنما هو أبوك وغلامك» وقيل: هو كالأجنبي معها وهو قول سعيد بن المسيب.
قال والمراد من الآية الإماء دون العبيد {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} قرئ غير بنصب الراء قال هو بمعنى الاستثناء ومعناه يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم فانهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة وقرئ غير بالجر على نعت التابعين والإربة والأرب الحاجة والمراد بالتابعين غير أولي الأربة هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم إلا ذلك ولا حاجة لهم في النساء وقال ابن عباس هو الأحمق العنين وقيل هو الذي لا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن وقيل هو المجبوب والخصي وقيل هو الشيخ الهرم الذي ذهبت شهوته وقيل هو المخنت م عن عائشة: قالت كان يدخل على أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم مخنث وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت بأربع وإذا أدبرت بثمان فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ألا أرى هذا يعرف ما ها هنا لا يدخل عليكن هذا فاحجبوه» زاد أبو داود في رواية «وأخرجوه إلى البيداء يدخل كل جمعة فيستطعم» قوله أقبلت بأربع أي أن لها في بطنها أربع عكن فهي تقبل إذا أقبلت بها وأراد بالثمان أطراف العكن الأربع من الجانبين وذلك صفة لها بالسنون {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} أي لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع فيطلعوا عليها وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر وقيل لم يطيقوا أمر النساء وقيل لم يبلغوا حد الشهوة وقيل الطفولية اسم للصبي ما لم يحتلم {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} قيل كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها ليسمع صوت خلخالها أو يتبين خلخالها فنهين عن ذلك وقيل إن الرجل تغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال ويصير ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن وقد علل ذلك بقوله تعالى: {ليعلم ما يخفين من زينتهن} فنبه به على أن الذي لأجله نهى عنه أن يعلم به ما عليهن من الحلي غيره {وتوبوا إلى الله جميعًا} أي من التقصير الواقع في أمره ونهيه وراجعوا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السورة قيل إن أوامر الله ونواهيه في كل باب لا يقدر العبد الضعيف على مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد فلا ينفك عن تقصير يقع منه فلذلك وصى المؤمنين بالتوبة والاستغفار ووعد بالفلاح إذا تابوا واستغفروا فذلك قوله تعالى: {أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} عن الأغر أغر مزينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «توبوا إلى ربكم فوالله إني لأتوب إلى ربي تبارك وتعالى مائة مرة في اليوم» عن ابن عمر قال إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة» أخرجه عبد الرحمن بن حميد الكشي ق عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عله وسلم: «الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة» م عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه».
قوله عزّ وجلّ: {وأنكحوا الأيامى منكم} جمع الأيم يطلق على الذكر والأنثى وهو من لا زوج له من رجالكم ونسائكم {والصالحين من عبادكم} أي من عبيدكم {وإمائكم} بيان حكم الآية أمر ندب واستحباب لإجماع السلف عليه فيستحب لمن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد أهبته أن يتزوج وإن لم يجد أهبته يكسر شهوته بالصوم ق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» الباءة النكاح ويكنى به عن الجماع أيضًا والوجاء بكسر الواو رض الأنثيين وهو نوع من الخصاء شبه الصوم في قطعه شهوة النكاح بالوجاء الذي يقطع النسل عن معقل بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» أخرجه أبو داود والنسائي م عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» أما من لا تتوق نفسه إلى النكاح وهو قادر عليه فالتخلي للعبادة أفضل له من النكاح عند الشافعي وعند أصحاب الرأي النكاح أفضل.
قال الشافعي: قد ذكر الله عبدًا أكرمه فقال وسيدًا حصورًا وهو الذي لا يأتي النساء وذكر القواعد من النساء ولم يندبهن إلى النكاح وفي الآية دليل على أن تزويج الأيامى إلى الأولياء لأن الله خاطبهم به كما أن تزويج العبيد والإماء إلى السادات.